الخطيب الشربيني

144

مغني المحتاج

ثم شرع في الركن الثالث ، فقال : ( ولا يصح ) النكاح ( إلا بحضرة شاهدين ) لخبر ابن حبان في صحيحه عن عائشة رضي الله تعالى عنها لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل ، فإن تشاحوا فالسلطان ولي من لا ولي له . قال : ولا يصح في ذكر الشاهدين غيره . والمعنى في اعتبارهما الاحتياط للابضاع وصيانة الأنكحة عن الجحود . تنبيه : إنما عبر بالحضور ليفهم عدم الفرق بين حضورهما قصدا أو اتفاقا ، أو حضرا وسمعا العقد صح وإن لم يسمعا الصداق . ويسن إحضار جمع زيادة على الشاهدين من أهل الخير والدين . قال الرافعي : ذكر في الوسيط أن حضور الشهود شرط ، لكن تساهل في تسميته ركنا . وبالجملة حضورهم معتبر في الأنكحة ، ولذا عبر المصنف بحضور . ( وشرطهما حرية ) فلا ينعقد بمن فيه رق لأن من فيه رق ليس أهلا للشهادة . ولو عقد بحضرة من أعتقه شخص في مرض موته وعليه دين مستغرق هل يصح أو لا ؟ قال الزركشي : في صحة العقد ، وإن قلنا بصحة العتق نظر لأن العتق غير مستقر اه‍ . والأوجه ما قاله غيره ، وهو الصحة إن لم يبطل ، وعدمها إن بطل . ويؤيد ذلك ما سيأتي إن كان الشاهد خنثى ثم تبين كونه ذكرا أنه يكفي ( وذكورة ) فلا ينعقد بالنساء ولا برجل وامرأتين ، لأنه لا يثبت بقولهن . تنبيه : أفهم كلامه أنه لا ينعقد بخنثيين ولو بانا رجلين ، لكنه صحح في زيادة الروضة الصحة . فإن قيل : لو عقد على مشكل أوله ثم تبين كونه أنثى في الأول أو ذكرا في الثاني أن النكاح لا يصح ؟ أجيب بأن الشهادة في النكاح من الشروط كما مر عن البسيط ، والشرط يعتبر وجوده عند العقد لا تحققه ، بخلاف المعقود عليه فإنه ركن ، والركن يعتبر تحققه عند العقد ، ويؤيد ذلك ما سيأتي من أن الاشهاد على رضا المرأة حيث يعتبر رضاها لا يشترط . وعللوه بأن رضاها ليس من نفس العقد وإنما شرط فيه ، وإذا وجد من غير إشهاد كفى . وأيضا الخنثى أهل للشهادة في الجملة . فإذا بان رجلا اكتفينا بذلك في النكاح ، بخلاف العقد على الخنثى فإنه ليس أهلا لعقد النكاح عليه في حالة من الأحوال . واستغنى المصنف عن ذكر الاسلام والتكليف في الشاهد بقوله : ( وعدالة ) ولو ظاهرة ، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى في كتاب الشهادات ، فلا ينعقد بفاسقين لأنه لا يثبت بهما . ( وسمع ) ولو برفع الصوت ، إذ المشهود عليه قول فلا بد من سماعه ، فلا ينعقد بأصم ، وفيه وجه . ( وبصر ) لأن الأقوال لا تثبت إلا بالمعاينة والسماع . ( وفي الأعمى وجه ) بانعقاد النكاح بحضرته ، وحكاه في البحر عن النص ، لأنه أهل للشهادة في الجملة . تنبيه : كان ينبغي للمصنف حيث كان ذلك منسوبا إلى النص أن يعبر بقوله : بقي عليه شروط أخر ، وهي كونه ناطقا رشيدا ضابطا ، ولو مع النسيان عن قرب غير متعين للولاية ، كأب وأخ منفرد وكل وحضر مع آخر . وتقدم أنه لا بد من معرفة لغة المتعاقدين ، وإنما تركها المصنف لأنه سيذكرها في كتاب الشهادات . ولو عبر بشاهدين مقبولي شهادة نكاح كان أخصر وأعم . ( والأصح انعقاده ) أي النكاح ( بابني الزوجين ) أي ابني كل منهما أو ابن أحدهما وابن الآخر ، ( وعدويهما ) أي وعدوي كل منهما أو عدو أحدهما وعدو الآخر لأنهما من أهل الشهادة ، وينعقد بهما النكاح في الجملة . والثاني : لا ، لتعذر ثبوت هذا النكاح بهما في المسألتين . وقطع بعضهم بالانعقاد في العداوة لامكان زوالها . قال في زيادة الروضة : وينعقد بحضور ابنيه مع ابنيها وعدويه مع عدويها بلا خلاف . والجد إن لم يكن وليا كالابن . تنبيه : قد يكون الأب شاهدا لاختلاف دين أو رق ، كأن تكون بنته رقيقة فيزوجها سيدها وحضر ، وهو بصفة الشهود ، أو كافرة فزوجها أخوها مثلا الكافر وحضره الأب . وينعقد بالحواشي كالاخوة والأعمام إذا كان الولي غيرهم ، فلو شهد اثنان من ثلاثة إخوة مثلا والعاقد غيرهما من بقية الأولياء لا إن عقد بوكالة منهما أو من أحدهما